نار «الوحدة» ولا جنة «أبويا وأمى» – كتبت يمنى مختار

Date posted: June 22, 2010


شباب وفتيات خرجوا من «جلابيب» آبائهم بحثاً عن «الاستقلال»: نار «الوحدة» ولا جنة «أبويا وأمى»

 

أعدت الملف يمنى مختار ٢١/ ٦/ ٢٠١٠
 
فى مجتمع تفرض عاداته وتقاليده على الفتيات والشباب أن يبقوا فى بيوت أسرهم مع اعتراف «منقوص» بحقهم فى الخصوصية أو اتخاذ قرارات تتعلق بالعمل والدراسة أو حتى اختيار شريك الحياة، يتطلع هؤلاء إلى الاعتراف بهم ككيانات مستقلة تملك أمرها وتستطيع صناعة مستقبل خاص، قد لا يتفق بالضرورة مع تصورات الأهل وخططهم المسبقة.

 

فى هذا الملف تتحدث «المصرى اليوم» إلى عدد من الشباب الذين قرروا خوض هذه التجربة، انفصلوا عن مسكن الوالدين، وكافحوا لتحقيق الاستقلال المادى، ورضوا بدفع ثمن خياراتهم دون ندم، محافظين فى الوقت نفسه على علاقة طيبة مع أسرهم، التى تفهمت رغبتهم فى النهاية.

كما نستطلع آراء خبراء نفسيين واجتماعيين كانوا أكثر حذراً تجاه القضية، وتراوحت مواقفهم بين اعتبار الاستقلال قراراً إيجابياً لا يملك الكثيرون اتخاذه، أو خطوة للهرب من المسؤولية الاجتماعية.

رانيا: تركت لأهلى رسالة تقول «لا تبحثوا عنى.. وسنلتقى فى يوم من الأيام»

بدأت رانيا رفعت التخطيط للاستقلال فى مرحلة مبكرة، حين أدركت أن من حقها أن تعيش الحياة كما تريد لا كما ترسمها عادات وتقاليد العائلة، وربما كان الدافع الأساسى هو رفضها نموذج الفتاة الثرية المدللة التى تنفق يميناً ويساراً من أموال الأهل، وتترفع عن الاختلاط بعامة الشعب، فقررت أن «تنحت» لنفسها خطاً آخر فى الحياة.

«من يملك المال هو الأقدر على تحديد مصيره».. هذا ما اقتنعت به رانيا فى السادسة عشرة من عمرها فقررت أن تلقى بنفسها فى سوق العمل بحثاً عن أى مصدر رزق، فعملت مندوبة مبيعات وامتلكت ورشة لصناعة الجلود، كما كانت عاملة استقبال فى أحد الفنادق، وعندما كانت على أعتاب مرحلة «الخروج من القفص» اتفقت مع سيدة لا تعرفها جيداً على استئجار غرفة فى شقتها.

خطاب صغير كان كل ما تركته رانيا لأهلها، بخلاف القلق والجنون الذى أوشك أن يصيبهم بعد قراءة الرسالة التى أكدت خلالها رغبتها فى الاستقلال، واحتياجها لقدر من الخصوصية، وضمنتها بعض الجمل من نوع «لا تبحثوا عنى ولا تقلقوا على، سنلتقى حتما فى يوم من الأيام» والتى كانت كفيلة بإصابة والديها بانهيار عصبى.

لكن الأمور لم تسر كما خططت لها رانيا، فبعد ١٠ أيام فوجئت بصاحبة الشقة تمنعها من الدخول بحجة أنها جاءت متأخرة، فأدركت أن إقامتها مع تلك السيدة لن تستمر طويلاً وأنها معرضة للنوم فى الشارع، وتصادف ذلك مع اكتشاف أهلها مكانها، فاضطرت إلى العودة معهم إلى المنزل لكن لتخطط كيف تتركه مرة أخرى «بشكل أكثر احتراماً».

بعد انتهائها من فترة الدراسة الجامعية فى كلية الحقوق، كانت رانيا لا تزال تبحث عن ذاتها، وترغب فى الاعتماد على نفسها إلا أن والديها لم يعطياها الفرصة لذلك «عشان أتعلم لازم يبقى عندى خبرات وأتعرض لخبطات لكن الأهل بيرفضوا وهما فاكرين أنهم بيحمونا.. من حقى أجرب وأغلط والحياة محتاجة شخصية قوية.. لازم ننشف عشان نعرف نتعامل مع الدنيا».

حاولت رانيا تطبيق خطة الانفصال تدريجيا بحيث يستقبلها الأهل على مراحل، فى البداية اشتركت مع أختها التى تعمل مصممة أزياء فى تأجير شقة تصلح كأتيليه، وبدأ الانسحاب التدريجى من بيت الأسرة فى اتجاه الإقامة الدائمة فى الأتيليه، إلا أن الأسرة توجست من تصرفاتهما وبدأ والداهما يتشككان فى دوافع رانيا وأختها فى الانفصال، فكان الأب يفاجئ ابنتيه فى زيارات خاطفة وسريعة وقد يقيم معهما ليلة أو ليلتين.

«البنت لما بتستقل عن أهلها، صعب تتجوز» قالتها رانيا وهى تؤكد أن نظرة الشباب للفتاة المستقلة لا تخرج عن إطار وصمها بأنها «منحلة» و«ماشية على حل شعرها»، فى حين تعتبر هى أن الاستقلال فرض عليها مسؤولية كبيرة حيث بدأت تضع لنفسها قيوداً بشأن مواعيد العودة إلى المنزل «حتى لا تصبح مادة لأحاديث الجيران»، كما تتحمل كل نفقاتها الشخصية بمفردها، وتخطط للانفصال عن أختها لتعيش فى شقة بمفردها خلال الفترة المقبلة.

رغم أن حلم الاستقلال ظل يراود رانيا لأكثر من ١٠ سنوات واعتبرت تحقيقه إنجازاً كما تظن الكثيرات اللاتى يحلمن بالخروج من بيت الأسرة ويعتبرن الزواج هو الحل السلمى الوحيد لتحقيق ذلك، فإن دعاء عبدالعال فضلت العودة إلى بيت الأسرة مرة أخرى بعد انفصالها عن زوجها.

«ساعات كتيرة بحس إنى مخنوقة من البيت بس على الأقل برجع ألاقى حد أتكلم معاه».. تصف دعاء نفسها بأنها اعتمادية وتفضل الونس على البقاء وحيدة، وتعتبر أن أكثر ما يمنعها من الاستقلال هو شعورها بالمسؤولية تجاه أسرتها، خاصة أنهم يتركون لها مساحة من الاستقلال والخصوصية.

عاصم بعدما «طفش»: الشباب ياما انحرفوا فى بيوت أهاليهم

عاصم عبدالله، قرر ترك بيت الأسرة بعد أكثر من ٢٤ عاماً من «الإقامة الجبرية»، ليستقل فى شقة منفصلة بعيداً عن الضغوط الأسرية التى تحاصره، واللافت أنه استلهم الفكرة من إحدى صديقاته: «إذا كانت الفتاة استطاعت أن تخوض تلك التجربة وتستقل عن أسرتها.. فلماذا لا أستطيع؟». «قررت أطفش من البيت كرد فعل للضغوط التى يمارسها أهلى علىّ»، بسبب رفضه لفرض أى قيود عليه حتى وإن بدت بسيطة، تدهورت العلاقة بينه وبين أهله وتحول البيت لمجرد «لوكاندة» يذهب إليها عند النوم فقط. كان عاصم يتطلع للحصول على قدر أكبر من الخصوصية والاستقلال،

لذلك انتهز أول فرصة للاستقلال فبمجرد حصوله على فرصة عمل تمكنه من الاستقلال المادى، ترك البيت إلى شقة منفصلة تملكها الأسرة وكانت الحجة المناسبة التى تجعلهم يتقبلون أمر انفصاله عنهم أن الشقة التى انتقل إليها أقرب إلى عمله. وافق والداه بينما اتهمه إخوته بالأنانية والهروب، إلا أن عاصم كان يعتبر الاستقلال خطوته الأولى فى طريق تحقيق الذات، يمكن بعدها أن يتفرغ لحل مشاكله مع أهله «صعب إننا نغير طباع أهلنا،

فالأسهل إنى أبعد وأشوفهم بزاوية أوسع وأفتقدهم ويفتقدونى». فكرة الاستقلال عن الأهل يعتبرها عاصم حتمية ويرى ضرورة تطبيقها بشكل تلقائى بمجرد أن ينتهى الشاب من دراسته ويجد فرصة عمل مناسبة، لينفصل عن الأهل متخذاً مسكناً منفصلاً معتمداً على نفسه فى كل أمور الحياة «لو خايفين على الشباب من الانحراف، كتير بينحرفوا وهما فى بيت أهاليهم» كما لا يجد حرجاً فى استقلال الفتيات، مؤكداً أنه يفضل الارتباط بفتاة مستقلة معتمدة على نفسها.

وبينما يحسده بعض أصدقائه على الحرية التى حصل عليها بخروجه من بيت أسرته، ينصحه البعض الآخر بالعودة إلى بيت أسرته مرة أخرى من باب توفير النفقات «أهو تلاقى حد محضر لك الأكل وغاسلك هدومك» لكنه يفضل الابتعاد حتى يستطيع أن يقف على قدميه ومن ثم يصلح علاقته بوالديه التى بدأت فى التحسن مع شعورهم بافتقاده.

مروة رخا: «مش كل الناس يقدروا يستقلوا وأنا أرجل من أى شاب عايش فى بيت أمه»

مروة رخا، خبيرة العلاقات العاطفية، يلجأ إليها الكثير من الشباب والفتيات طلبا لنصيحة تمنحهم شرعية الخروج من بيت العائلة الذى لا يجدون فيه إلا المشاكل، لكنهم يفاجأون برفضها تلك الحلول التى تعتبرها «مخدرة». «فيه ناس بنيانهم النفسى لا يسمح بالاستقلال.. أنا عملت كده بس ما بنصحش كل الشباب بترك المنزل» خاصة إذا كان الدافع الأساسى هو الهروب من المشاكل «فكيف يمكن لشخص لا يستطيع مواجهة مشاكله مع أهله أن يواجه الحياة بمفرده ويتحمل مسؤولية نفسه؟».

الاستقلال من وجهة نظر مروة حرية لابد أن يلازمها قدر كبير من المسؤولية، أما الهروب من المشاكل فتعتبره ضعفاً.

لم تفكر مروة يوما قبل بلوغها سن الـ٢٨ فى الاستقلال عن الأهل إلا أن عملها كمديرة للعلاقات العامة فى بعض فنادق الغردقة وشرم الشيخ فرض عليها الابتعاد عن الأهل لفترات طويلة ذاقت خلالها متعة أن تتحمل مسؤولية نفسها.

وبمجرد أن أتمت عامها الثامن والعشرين شعرت برغبة ملحة فى الاستقلال عن الأسرة «كان نفسى أبقى ست بيت وحسيت إنى ممكن أقبل بأى راجل لأحصل على استقلاليتى».

لم تجد مروة شريك الحياة الذى يناسبها، فكانت الخطة أن تزوج قطتها لتنجب ما يزيد على ٦ قطط، ضاقت بها والدتها، فاتخذت من قططها حجة لتغادر المنزل إلى مسكن إحدى صديقاتها، إلا أن ذلك الحل لم يدم طويلاً واضطرت إلى البحث عن مسكن آخر، لكن هذه المرة بمساعدة الوالدة نفسها، وهو ما اعتبرته أمراً إيجابيا حتى لا ينظر إليها الجيران على أنها «هاربة» من أهلها.

«المجتمع ده عاوز يتحرق بجاز» قالتها مروة مؤكدة أن الناس يحاولون استغلال البنت المستقلة، وهو ما واجهته فى البداية حيث تعرضت للتحرش فى الشارع الذى تقيم فيه تحت مرأى ومسمع من حراس العقار فى المنطقة دون أن يحرك أحد ساكنا، كما كانت تفاجأ بمن يدق بابها بعد منتصف الليل.

«لو أى واحد عرف إنى ساكنة لوحدى حيقولى أعدى عليكى»، تشير مروة إلى الكثير من المضايقات التى تتعرض لها إذا ما علم الناس أنها تقيم وحدها، لكن بعد ٨ سنوات من المعاناة استطاعت أن تجبر الجيران وكل المحيطين بها على احترام تجربة استقلالها، باستثناء بعض الصديقات اللاتى رفضن صداقتها بعد علمهن بخبر استقلالها عن أهلها.

تراجعت خبيرة العلاقات العاطفية عن التفكير فى الزواج كسبيل للاستقلال عن الأهل، وأصبح حياة تريد أن تعيشها مع رجل يشاركها الحياة بشرط أن يكون مستقلاً «أنا أرجل من أى شاب عايش طول عمره فى بيت أمه ولن أقبل إلا برجل مستقل».

خبراء: الاستقلال «قسوة» على الأهل.. ومحاولة لـ«الهروب»

ترفض الإخصائية النفسية داليا الشيمى فكرة استقلال الفتيات عن الأهل، مشيرة إلى أن الفكرة تبدو مبهرة للكثيرات للوهلة الأولى، إلا أنها فى الواقع شديدة الخطورة حيث تصاحبها عادة مشاعر ذنب لا واعية كما أن الشعور بالوحدة شديد القسوة.

وأرجعت الشيمى رغبة العديد من الفتيات فى الاستقلال إلى شراهة البحث عن الحرية وأطلقت عليها ثقافة الـ«Extra» أو الرغبة فى الحصول على المزيد دوماً وعدم الاكتفاء من أى شىء، مؤكدة أن انتشار تلك الرغبة فى المجتمع يمثل نوعاً من القسوة الشديدة فى معاملة الأهل وزعزعة لشعورهم بالأمان.

«الرغبة فى عدم تحمل المسؤولية والهروب من المشاكل» أسباب ساقتها أميرة بدران، المستشار النفسى والاجتماعى، مؤكدة أن استقلال الفتيات فى بيوت منفصلة بعيدا عن الأسرة ليست سوى تقليد لما يحدث فى الغرب ويتنافى مع طبيعة مجتمعاتنا العربية بعكس الحال فى المجتمعات الغربية التى لا تبدو تلك الظواهر غريبة عنها.

سلبيات انتشار حالات استقلال الشباب عن أسرهم تعتبرها أميرة بدران أكبر بكثير من الإيجابيات المتوقعة، حيث يتخذ الشباب العديد من المبررات مثل رغبتهم فى الاعتماد على أنفسهم وتحمل المسؤولية، وهى المبررات التى اعتبرتها «مزيفة» وتخفى وراءها الرغبة فى التخفف من المسؤولية الاجتماعية وتقييد الأسرة، وأوضحت أن الفتيات اللاتى يخضعن لتلك التجربة يصعب عليهن خوض تجربة الزواج والتوافق مع شريك الحياة لأن فكرتهم عن الزواج تكون فى غاية السوء.

وأضافت أن الرغبة فى الاستقلال تظهر فى أواخر العشرينيات مع تأخر سن الزواج ورغبة الفتيات من التحرر من القيود العائلية والتطلع للحرية الكاملة والتخلص من التقييد أو ما أطلقت عليه «الضمير العام».

 

 

 

Bookmark and Share