الشجرة المسمومة في الأدب – الكتابة بالإنجليزية انقلاب معكوس في أدب المهجر

Date posted: April 15, 2008


 

 

الشجرة المسمومة في الأدب

الكتابة بالإنجليزية انقلاب معكوس في أدب المهجر

 

ردى هنا

 

الإنسان أسلوب والإنسان ابن بيئته .. مقولات ترددت طويلا عبر مسيرة الأدب والأدباء وترسخت في الأذهان, فهي تمثل مجموعة الفوارق بين أديب وآخر, ولكن ماذا لو ضاعت هذه الفوارق واختلطت الحدود بحيث لا نتبين الأسلوب أو البيئة الأدبية؟ ماذا لو وقفت اللغة حائلا وسدا تحجب ما وراءها من هوية وانتماء لتبدو الأعمال الأدبية وكأنها تحلق في فراغ تحت زعم أن الأدب إنساني؟

أثيرت هذه التساؤلات على خلفية التجربة المثيرة التي أقدم عليها اثنان من الأدباء قاما بالكتابة مباشرة باللغة الإنجليزية, وصدرت روايتاهما عن إحدى دور النشر الخاصة في القاهرة, وكأنه انقلاب معكوس عن مفهومنا لأدب المهجر الذي طال الحديث عنه في الفترات السابقة وما أثاره من إشكاليات عدة سبقت مناقشتها.

الجديد في التجربة أن أصحاب الأعمال وهما الأديبة الشابة مروة رخا وروايتها "الشجرة المسمومة التي نمت في مصر" والأديب عمرو خالد ? ليس الداعية المعروف – وروايته Velo, يعترفان بأن اللغة العربية أصبحت حملا ثقيلا , ويؤكدان أنهما يفكران باللغة بالإنجليزية، ويحلمان أيضا بها. لذا من الطبيعي الكتابة بها، لأننا نشعر بأن العربية حمل ثقيل.

"الاقتصادية" طرحت على عدد من الأدباء والنقاد هذه الإشكالية وما تعكسه من تداعيات وتأثير ذلك في واقع الأدبي العربي.

 

إنكار واسع

الأديب والناقد محمد بدوي يتوقع نمو هذه الظاهرة واتساعها بسبب ازدياد التعليم الأجنبي في مصر والدول العربية, ويقوم العديد من الطلاب الآن بكتابة أشعار بالإنجليزية ويشعرون بأن العربية تمثّل قيداً نفسياً بالنسبة إليهم, ويؤكد بدوي أن الظاهرة تطرح أسئلة كثيرة للنقاش، أسئلة عن مفهوم الهوية، ومفهوم القارئ الذي يتوجه إليه الكاتب، وغيرها. السياق مختلف، فنحن لسنا مجتمعاً يعاني انفصالاً ثقافياً أو تعدداً عرقياً، لذا تدهشني هذه الظاهرة. نحن لسنا أنجلوفين ولا فرانكوفين مثل المغرب العربي، بل نقف موقفاً قوياً كي لا تصبح الإنجليزية لغة أولى، مثلما حدث في الجزائر أو المغرب, مشيرا إلى أن الأعمال المكتوبة بالإنجليزية تلعب على الإيقاع فقط.

من جهته, يرى الناقد الدكتور محمد عبد المطلب أن اللغة الأجنبية أصبحت شائعة بين الشباب, وأصبحت تحمل معها أنماط سلوكهم وأذواقهم الجمالية والفنية حتى ما يرتدونه من ثياب، وما يبدونه من اهتمامات تختلف بدرجة واسعة عن آبائهم, ولو اقتصر الأمر عند هذا الحد لكان من الممكن تصور ما يحدث في إطار اختلاف الأجيال وتفاوت الأعمار، إلا أن الملاحظ أن نطاق هذا الاختلاف يمتد إلى وجود خطاب ثقافي مغاير ينطوي على قدر كبير من التعالي والرفض المسبق له ويشيع حالة من السطحية والتفاهة في أعمالهم الفنية وطرق تفكيرهم ليظل الاتهام مسلطاً يحصر هذا التيار الثقافي بين رحى التغريب وفقدان الهوية أو المرجعية.

ويؤكد عبد المطلب أهمية البحث عن حلول وعن جذور هذا الاختلاف وأسبابه، فالتفاصيل العديدة تشير إلي صعوبة أن نختزل كل ذلك في اعتباره جملة اعتراضية لا تؤثر في السياق العام، بل إننا أمام ظاهرة سيكون لها تأثيرها في تفاصيل الحياة الأدبية.

أما الأديب والناقد حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأمريكية فقد فرض اعتبار هذا الأدب ينتمي إلى الأدب العربي وله تجربة مماثلة مع أدباء المهجر في البيبلوغرافيا التي نشرها للرواية العربية في مجلداته الستة التي استوعبت أكثر من 130 عاماً عمر هذه الرواية، من عام 1865 – 1995.

أي من الأعمال الروائية المكتوبة بالفرنسية في أقطار المغرب العربي رغم أنه في الفترة الواقعة بين عامي 1945 و1964 ظهرت 37 رواية جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية، وفي الفترة ما بين 1965 و1972 صدرت 17 رواية مكتوبة بالفرنسية, مؤكدا أن لغة النص هي هويته.

ويشار إلى أن مسألة نسبة الأدب وانتمائه أثارت دارسي الأدب المقارن وحفزتهم على البحث في هذا الموضوع، وتراثنا العربي القديم يضم نماذج من الكتّاب مزدوجي اللغة مثل عبد الحميد الكاتب وعماد الدين الأصفهاني، وكذلك لدى الأمم الأخرى مثل شاعر الغزل الأرديّ اللغة (مير) الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي فكتب بالفارسية إلى جانب الأردية، وكذلك الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال الذي كتب بالفارسية والأردية، والكاتب الروسي هنري ترويات الذي كتب باللغة الفرنسية عن قضايا ومشكلات المجتمع الفرنسي.

ونشأ عن هذا الوضع اختلافات كثيرة, فثمة فارق بين شعر أراجون الفرنسي وشعر سنغور السنغالي.

 

أما عن أصحاب الأعمال أنفسهم, فتقول مروة رخا: في روايتي "الشجرة المسمومة التي نمت في مصر" أرى أن اللغة جزء من الثقافة. عندما أريد أن أعترض على أشياء في ثقافة أشعر تجاهها بالاختناق، فلا بد من ألا أستخدم لغة هذه الثقافة. كلما فكرت في أن أكتب بالعربية، شعرت بأن الأفكار تموت في داخلي ولا تكتمل. وحول روايتها وعنوانها قالت تولدت لدي الفكرة عندما كنت أقرأ قصيدة الشاعر الإنجليزي وليام بليك "الشجرة المسمومة"وقد وجدتها تلخّص حياتي وتجربتي، وتمثّل خيطاً رئيساً يجمع معظم ما كتبت من مقالات، فأعدت صياغتها لتشبه نصاً واحداً.

وتبرر مروة كتابتها باللغة الإنجليزية بأن أغلب المصريين يتحدثون الإنجليزية بدرجات متفاوتة. أنا نفسي لا أقرأ سوى بالإنجليزية، لكنني لم أكن أجد كتباً لمصريين يكتبون بالإنجليزية. هكذا قرأت لكتّاب إنجليز، واضطررت إلى شراء الكتب من الخارج. كنت أشعر بأن هناك فئة من الجمهور مظلومة، هي تلك التي تقرأ بالإنجليزية، فهؤلاء لا يقرأون شيئاً لكتاب مصريين يفكرون مثلهم، ولهم همومهم نفسها، كما كان يعنيني أن أترك بصمتي على المجتمع وأقوم بتغيير بعض العادات والتقاليد البالية فيه, فعندما تتغير أفكار الفئة التي تقرأ الإنجليزية في مصر، سيتبعها تغيير في أفكار بقية الفئات.

أما عمرو خالد فيقول لا أستطيع الإحساس باللغة العربية مثل إلإنجليزية ولم أختر اللغة، بل هي التي اختارتني, ويضيف: أكتب لبشر لا تعنيني جنسيتهم.

 

 

Bookmark and Share