كرسى الاعتراف عند مروة رخا – عندما يصرخ الصمت

Date posted: July 25, 2009


كنا أصدقاء. كانت زوجته مريضة. كانت له ابنتان. بدأ يحبنى. بدأت أحبه. احتمينا خلف جدار صداقتنا حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا – انتظرنا قضاء الله و قدره!

"زينا دخلت المستشفى تانى"

"و حالتها ازيها؟"

"الدكاترة مش مطمنين … المرض انتشر و حالتها من سئ لأسوء"

"و أنت عامل إيه؟"

"تعبت"

قالها و كأنه يتمنى موتها ليستعيد هو حياته … و من أكون حتى ألومه و هو من جلس يمرضها الخمس سنوات الأخيرة؟

"أنا عايزة أشوفها يا كريم"

"عايزة تشوفى مين؟"

"زينا"

"انت اتجننتى … أنا ناقص … أقولها إيه؟ دى مروة اللى هاتجوزها بعد ما تموتى؟"

"لأ! قلها دى مروة اللى مش هتتجوزنى غير بموافقتك!"

"عايزة تشوفيها ليه يا مروة … دى حالتها صعبة أوى"

إلى يومنا هذا لا أعرف سبب طلبى المفاجئ … هو أنا فعلا كنت مصرة أشوفها ليه؟

"صدقنى مش عارفة … بس اللى أنا عارفاه كويس ان مافيش جواز و لا كلام فى جواز غير لما أقابلها."

رضخ كريم لطلبى الغريب و اصطحبنى معه إلى المستشفى صباح يوم حار. لم نتكلم طوال الطريق و فى صمت تبعته إلى غرفتها … كم أكره رائحة المستشفيات و المرض و المرضى و الموت و الموتى … كم افتقد الشمس الحارقة التى داعبت أفكارى طوال الطريق!

"مروة … زينا"

زينا كانت كتلة قماش تخفى بعض العظام التى نفرت من جلد لا يكسوا لحم. تسمرت قدماى فى الأرض. أردت البكاء كما كنت طفلة

تخشى بيوت الأغراب. أردت أن أجرى تاركة ورائى المعاطف البيضاء و المحاليل و السرنجات و رائحة زينا! استجمعت شجاعتى و استنفرت قوتى و خطوت نحو زينا بيد ضعيفة مرتعشة

"أهلا يا زينا … سلامتك"

رعشة صوتى و زوغان عيناى فضحانى … زينا عرفت!

"أنت هتتجوزى كريم؟"

سألتنى و قد أحكمت قبضتها على أصابعى … يالها من امرأة قوية! ما هذا الذى أراه في عينيها؟ لما تصرخ و لا أسمع لها صوت؟ ذبذبات صراخها الصامت اخترق روحى. ما هذا الألم الذى اجتاحنى؟ كتفاى بهما وخز الابر و ظهرى انحنى من الارهاق … جسدى ينهار … ماذا يحدث لى … اتركينى … اتركى يدى … ماذا أرى؟ يالهول ما أسمع! … اتركينى يا زينة … لا أريده … لا اريد زوجك!

"لأ "

و انحدرت دموعى … أخذتها فى حضنى و بكيت … ربتت على كتفى و قالت لى

"يا ريت حد كان قال لى … ماكنتش اتجوزته"

و فجأة نظرت لكريم و بكل ما تبقى لها من قوة بصقت فى وجهه.

"انت خلاص اتجننتى!"

قالها و هو يمسح سبتها.

 "يالا يا مروة"

انحنيت أقبل ما تبقى من جبينها و سمعتها تدعو لى بالصحة. يا ليتنى عرفتها قبل اليوم.

"أنا عايز أفهم إيه اللى حصل فوق دا؟" 

 لأول مرة أشعر بالخوف منه

"أنت خنتها كام مرة؟"

"إيه العبط اللى بتقوليه دا؟"

"بقول لك خنتها كام مرة؟ كام ليلة قضتها فى البيت لوحدها مستنياك و أنت داير على حل شعرك؟ كام مرة ضربتها؟ كام مرة كذبت عليها؟ كام واحدة نامت فى سريرها؟ كام صديقة خسرتها بسببك؟ كام صديق خنت ثقته؟ كام دمعة قصرت من عمرها بسببك؟ أنت مش ممكن تكون انسان!"

"انت ازاى تكلمينى كدة و إيه الأسئلة الغريبة دى؟ انت مالك فيكى إيه يا ستنا الشيخة؟ أنا أخلص من واحدة تطلع لى التانية؟ فوقى بقى!"

"الست دى اتعذبت كتير … بجد حرام عليك"

"هو أنا اللى كنت موتها؟"

"موتها؟ هى لسة ما ماتتش و لا صحيح .. ما أنت اعتبرتها ماتت من زمان … بسببك زينا عمرها ما هتشوف بناتها بيكبروا و لا هتشوفهم عرايس يوم فرحهم … بسببك الست دى عانت فى صحتها و عانت فى مرضها … إيه قسوتك دى؟ يا جبروتك يا أخى! نزلنى هنا … أنا مش عايزة أشوف وشك تانى!"

حاول كريم ان يمسك يدى … و شعرت بكل ما كانت تشعر به زينا عندما كان يلمسها … شعرت بعنفه و بتحكمه … شعرت ببخله و أنانيته … شعرت بعصبيته و إهاناته … و أدركت كيف قتل كل خليه حيه فى جسد من رحمها الله من سطوته.

و تمر السنوات  

فتحت لها الباب و مدت يدها لتصافحنى و قالت

"أنا قريت مقالاتك و معجبة بيكى جدا … أنا عندى مشاكل كتير مع جوزى و محتاجة أتكلم معاكى"

"كلى أذان صاغية"

و ابتسمت ابتسامة مطمئنة فى وجه ضيفتى

"جوزى كان متجوز قبل كدة و مراته ماتت و سابت له بنتين. أنا حاسة انى هاموت ناقصة عمر بسببه … دا أنا ولا كأنى دادا لبناته .. و خيانة و اهانة و قلة أدب … حتى صاحباتى … انت فاهمة يا مروة؟"

صورة زينا …كتلة قماش تخفى بعض العظام التى نفرت من جلد لا يكسوا لحم

"جوزك اسمه إيه؟ أنا عمرى ما باسأل السؤال دا .. بس أنا عايزة أعرف لو مش هيضايقك"

"كريم عاصم"

Bookmark and Share